مجموعة اولى من كتب الناصر خشيني وهو.
الناصر خشيني: المفكر العضوي وسادن الوعي القومي في زمن التحوّلات
يُعدّ الناصر خشيني أحد الأصوات التونسية والعروبية البارزة التي جمعت بين التحليل السياسي الاستراتيجي والالتزام القومي الجذري. تميزت مسيرته بالقدرة على الاشتباك مع القضايا الكبرى، محولاً الكلمة إلى فعل نضالي، ومحافظاً على خط نقدي جريء تجاه الحركات العقائدية ومنظومات السلطة، مع انحياز مطلق لمدنية الدولة وسيادة القرار الوطني.
1. المحطات التأسيسية: من الجامعة إلى المواجهة الوجودية
نشأ خشيني في بيئة تونسية مشبعة بالهمّ القومي، مما شكل وعيه الباكر تجاه قضايا التحرر الوطني.
النضال الطلابي: كان من مؤسسي تنظيم "الطلبة العرب التقدميين الوحدويين" بالجامعة التونسية في السبعينات، وهو الإطار الذي سعى لترسيخ الهوية الوحدوية والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستبداد وصعود التيارات الظلامية.
واقعة الفداء (1980): في ذروة الصراع مع التيار الإسلامي الصاعد، تعرض خشيني لخطر محقق كاد يودي بحياته نتيجة نشاطه الفكري والسياسي. وفي تلك اللحظة التاريخية، تدخل الشهيد محمد البراهمي شخصياً وأنقذه من موت محقق؛ وهي الواقعة التي عمقت إيمانه بضرورة التصدي لـ "تديين السياسة" دفاعاً عن حرية الوعي وعقلانية التفكير.
2. المسار الصحفي والفكري: توثيق "الدمار الشامل" ونقد "فقهاء الفتنة"
انتقل خشيني من نضال الساحات إلى نضال القلم، محولاً الصحافة إلى أداة للمقاومة الفكرية:
الصحافة الورقية والملفات الكبرى: أعد 14 ملفاً استراتيجياً لصحيفة "الكرامة" التونسية، تناولت قضايا الأمن القومي العربي والتدخلات الجيوسياسية بدقة وموضوعية.
الإعلام الرقمي:ساهم في تاسيس صحيفة التقدمية السويسرية مع د رياض الصيداوي منذ 2010 وفي سنة 2014 أسس صحيفة "الحرية أولاً" الإلكترونية، التي كانت منبراً للنقد الجريء وكشف الأدوار الخارجية، وظلت كتاباته مؤثرة رغم محاولات الحجب والتضييق.
نقد الحركات الدينية: قدم سلسلة دراسات فككت أدوار شخصيات "الإسلام السياسي" (القرضاوي، العريفي، وغيرهم)، كاشفاً التداخل بين الديني والسياسي في إدارة الصراعات بعد 2011.وخاصة التصدي لاجتماع القاهرة الشهير الذي ضم 500 عالم دين و70 جمعية لشرعنة الجهاد في سوريا بديلا عن فلسطين
3. القضية الفلسطينية: البوصلة التي لا تخطئ
تمثل فلسطين جوهر الفكر السياسي لدى الناصر خشيني:
الكتاب الجماعي (2017): شارك في إصدار فكري ضخم بعنوان "القضية الفلسطينية في مئويتها الثانية"، بالتعاون مع كوكبة من ألمع المفكرين والكتاب العرب، حيث قدم قراءة استشرافية لمستقبل الصراع وتحولات الكيان الصهيوني، مرسخاً رؤية قومية تتجاوز الحدود القطرية.
4. الحضور الإعلامي الدولي: صوت العروبة من لندن
لم ينغلق فكره داخل الحدود التونسية، بل أصبح وجهاً مألوفاً في الإعلام العربي المرئي:
عبر شبكة الأخبار العربيةANN بلندن، وتحديداً في برنامج "فجر الحرية"، قدم خشيني تحليلات رصينة حول: (حقيقة الجهاد في الإسلام، دور المثقف العربي، تحديات اتحاد المغرب العربي، ومؤامرات تقسيم المشرق)، مما كرس صفته كمحلل استراتيجي يخاطب الوجدان العربي العام.
5. استحقاق 2021: "انتهى عصر الإخوان" واستعادة الدولة
كان خشيني من أدق المستشرفين للتحولات السياسية في تونس:
حوار "أفريكان مانجر": في عام 2021، أطلق صرخته المدوية تحت عنوان "انتهى عصر الإخوان"، محذراً من تآكل الدولة الوطنية نتيجة سياسات حركة النهضة.
مساندة مسار 25 جويلية: ساند بوضوح إجراءات تصحيح المسار، معتبراً إياها ضرورة تاريخية لاستعادة السيادة الوطنية وتطهير الدولة من التغلغل العقائدي، ومنطلقاً لبناء جمهورية جديدة تقوم على المواطنة والقانون.
خاتمة: يمثل الناصر خشيني نموذجاً للمثقف العضوي الذي لا يهادن؛ فمن صراعات الجامعة في السبعينات إلى معارك التنوير الرقمي والفضائي، ظل متمسكاً بالثوابت التي شكلت هويته: تونس مدنية، وعروبة تقدمية، وفلسطين حرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق